عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

264

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

كريم عهدك القديم ، قال فقلت لها : ما هذا العهد الذي بينك وبينه ؟ قالت : ركبت في سفينة ومعنا قوم من التجار ، فعصفت بنا ريح فغرقت السفينة وجميع من فيها ، ولم ينج أحد منهم غيرى وهذا الطفل في حجري على لوح ، ورجل أسود على لوح آخر ؛ فلما أضاء الصبح نظر الأسود إلىّ وجعل يدفع الماء بيديه حتى لصق بي واستوى معنا على اللوح ، وجعل يراودني عن نفسي ، فقلت يا عبد اللّه أما تخاف اللّه تعالى ، نحن في بلية لا نرجو الخلاص منها بطاعته ، فكيف بمعصيته ؟ فقال دعى عنك هذا ، فو اللّه لابدّ لي من هذا الأمر ، قالت وكان هذا الطفل نائما في حجري ، فقرصته قرصة فاستيقظ وبكى ، فقلت له يا عبد اللّه دعني أنوّم هذا ويكون من الأمر ما قدّره اللّه علينا ، فمدّ الأسود يده إلى الطفل ورمى به في البحر ، فرمقت السماء بطرفى وقلت : يا من يحول بين المرء وقلبه ، حل بيني وبين هذا الأسود بحولك وقوّتك إنك على كل شئ قدير ، فو اللّه ما استوعبت الكلمات حتى ظهرت دابة من دوابّ البحر ففتحت فاها والتقمت الأسود وغاصت به في البحر ، وعصمني اللّه منه بحوله وقوّته ، وهو القادر على ما يشاء سبحانه وتعالى ، قال : وما زالت الأمواج تدفعني حتى رمتني إلى جزيرة من جزائر البحر ، فقلت في نفسي آكل من بقلها وأشرب من مائها حتى يأتي اللّه بأمره ، فلا فرج لي إلا منه ، فمكثت أربعة أيام ؛ فلما كان في اليوم الخامس لاحت لي سفينة في البحر على بعد ، فعلوت على تلّ وأشرت إليهم بثوب كان علىّ ، فخرج إلىّ منهم ثلاثة نفر في زورق ، فركبت معهم ؛ فلما دخلت السفينة الكبرى إذا بالطفل الذي رمى به الأسود في البحر عند رجل منهم ، فلم أتمالك أن ارتميت عليه وقبلت بين عينيه ، وقلت هذا واللّه ولدى وقطعة من كبدي ، فقال لي أهل السفية مجنونة أنت أم اختلّ عقلك ؟ فقلت واللّه ما أنا مجنونة ولا اختلّ عقلي ولكن جرى من الأمر ما هو كذا وكذا وكذا ، وذكرت لهم القصة إلى آخرها ؛ فلما سمعوا منى ذلك أطرقوا رؤوسهم وقالوا : يا جارية قد أخبرتينا بأمر تعجبنا منه ، ونحن أيضا نخبرك بأمر تتعجبين منه ، بينما نحن نجرى بريح طيبة إذا بدابة قد اعترضتنا ووقفت أمامنا وهذا الطفل على ظهرها ، وإذا مناد ينادى : إن لم تأخذوا هذا الطفل من ظهرها وإلا هلكتم ، فصعد واحد منا على ظهرها وأخذ الطفل ، فلما دخل به في السفينة غاصت الدابة في البحر ، وقد تعجبنا من هذا ومما أخبرتينا به ، وقد عاهدنا